شمس الدين السخاوي

149

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

وفي لفظٍ في حديث أوّله : « من عادى لي ولياً . . . » : « يقول الله - عزّ وجلّ - : وربما سألني وليي المؤمن الغنى فأصرفه عنه إلى الفقر ، ولو صرفته إلى الغنى كان _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ = وفي الباب عن ابن عباس ، سيأتي في الذي يليه ، وهو الذي عند الطبراني . بقي التنبيه على حديث عمر الذي أشار إليه المصنف ، فأقول - وبالله المستعان - : أخرجه الخطيب البغدادي في « تاريخ دمشق » ( 6 / 15 ) - ومن طريقه ابن الجوزي في « العلل المتناهية » ( 1 / 31 ) - ولفظه : « أتاني جبريل ، فقال : يا محمد ! ربُّك يقرأ عليك السلام ، ويقول : إنّ من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالغنى ، ولو أفْقرتُه لكفر ، وإنّ من عبادي من لا يصلُح إيمانه إلا بالفقر ، ولو أغنيته لكفر ، . . . . » . وهو عند الديلمي في « الفردوس » ( 8098 ) من حديث عمر - أيضاً - . وإسناده ضعيف ، فيه يحيى بن عيسى النَّهشليّ الفاخوري الجرَّار الرَّمليّ ، قال ابن معين في « تاريخ الدوري » ( 2 / 651 ) : « ليس بشيء » ، وقال ابن حبان في « المجروحين » ( 3 / 126 - 127 ) : « كان ممن ساء حفظه ، وكثر وهمُه ، حتى جعل يخالف الأثبات فيما يروي عن الثقات ، فلما كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به » . وقال ابن عدي في « الكامل » ( 7 / 2673 ) : « عامة رواياته مما لا يتابع عليه » واللذان دونه ، قال شيخنا الألباني في « السلسلة الضعيفة » ( 1774 ) عنهما : « لم أجد من ترجمهما » . وعلَّق الكلاباذي ( ت 384 ه - ) في « بحر الفوائد » المشهور ب‍ « معاني الأخبار » ( ص 382 - 383 ) على الحديث ، ففصل ما أجمله المصنف لما قال : « ويؤيّد كون الناس مختلفين » ، فقال : « وقوله : « إن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الغنى ، لو أفقرته لأفسده ذلك » هذا - أيضاً - من نصيحته له ، وذلك أن الله - تعالى - إنما أحب المؤمن لإيمانه ؛ لأنه لما أحبه كتب في قلبه الإيمان ، وحببه إليه ، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان ، فهو - عز وجل - يصرفه عما يخل بإيمانه ؛ لئلا يخرج في حبه إياه شيء ، وقد خلق الله عباده على طبائع مختلفة وأوصاف متفاوتة ، فمنهم القوي ، ومنهم الضعيف ، ومنهم الرقيق ، ومنهم الكثيف ، ومنهم الوضيع ، ومنهم الشريف . فمن علم الله - تعالى - من قلبه ضعفاً لا يحتمل الفقر أغناه ، إذ لو أفقره إياه فهو - عز وجل - يغنيه ، فيقربه بذلك منه ، ويدنيه ، فيصونه بغناه من أن ينصرف بحاجته إلى سواه . . . » ، قال : « فإذا كان الفقر لبعض الناس منسياً ، صرف الحق عمن عرف ذلك منه الفقر ؛ لأنه لا يحب أن ينساه حبيبه ، كما يكره أن ينظر إلى غيره قريبه ، وكذلك من علم أن لا يصلح إيمانه إلا الفقر أفقره ؛ لأنه - تعالى - يعلم أن الغنى يطغيه ، وأن الفقر لا ينسيه ، بل يشغل لسانه بذكره ، والثناء عليه ، وقلبه بالتوكل عليه ، والالتجاء إليه » .